تجريم التنمر الرقمي.. القضاء يدين حملة تشهير ضد سيدة فرنسا الأولى

تجريم التنمر الرقمي.. القضاء يدين حملة تشهير ضد سيدة فرنسا الأولى
سيدة فرنسا الأولى بريجيت ماكرون

في خطوة قضائية وُصفت بالمفصلية في مواجهة التنمر الإلكتروني وخطاب الكراهية، أدانت محكمة في باريس اليوم الاثنين 10 أشخاص بتهمة المضايقة الإلكترونية بحق سيدة فرنسا الأولى بريجيت ماكرون، بعد تورطهم في نشر مزاعم كاذبة وإشاعات تمس هويتها الشخصية، زاعمين أنها امرأة متحولة جنسياً وولدت ذكراً.

وأعاد الحكم تسليط الضوء على الكلفة الإنسانية للتنمر الرقمي، حتى حين تكون الضحية في موقع رسمي رفيع، وأكد أن القضاء الفرنسي عازم على وضع حدود صارمة لهذا النوع من الانتهاكات.

ووفق ما أوردته وكالة رويترز، فإن القضية تعود إلى حملة طويلة من الإساءات الرقمية التي استهدفت بريجيت ماكرون وزوجها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث جرى الترويج لادعاءات لا أساس لها من الصحة، منها الزعم بأنها ولدت باسم جان ميشيل تروجنيو، وهو في الواقع اسم شقيقها الأكبر، في محاولة متعمدة لتشويه سمعتها والنيل من حياتها الخاصة.

جذور حملة التشهير

لم تكن هذه الإساءات وليدة اللحظة، إذ تعرضت بريجيت ماكرون منذ سنوات لتعليقات جارحة وشائعات مغرضة، غذتها منصات رقمية وحسابات معروفة بترويج نظريات المؤامرة وخطاب الكراهية، واستندت هذه الحملات إلى التلاعب بالمعلومات الشخصية، واستخدام صور مفبركة أو مجتزأة، بهدف إثارة الشكوك وبث الكراهية، مستفيدة من الانتشار السريع للمحتوى على الإنترنت وصعوبة ملاحقة مصادره في بداياته.

زاد الفارق العمري بين بريجيت ماكرون وزوجها الرئيس الفرنسي، والذي يبلغ 24 عاماً، من حدة الهجمات، حيث استُخدم هذا الفارق مادة للسخرية والتجريح، ووصل الأمر ببعض المتهمين إلى تشبيهه باعتداء جنسي على الأطفال، في إساءة بالغة الخطورة، وعلى الرغم من أن الزوجين تجاهلا هذه التعليقات لسنوات طويلة، فإن تصاعد حدتها واتخاذها طابعاً منظماً دفعهما في الآونة الأخيرة إلى اللجوء للقضاء دفاعاً عن كرامتهما ووضع حد لهذه الانتهاكات.

أدانت المحكمة الفرنسية 8 رجال وامرأتين بتوجيه تعليقات خبيثة ومهينة تتعلق بجنس بريجيت ماكرون وميولها الجنسية، معتبرة أن ما نُشر لا يندرج تحت حرية التعبير أو السخرية، بل يمثل مضايقة وتشويهاً متعمداً، وتفاوتت الأحكام الصادرة بحق المدانين، حيث حُكم على أحدهم بالسجن لمدة 6 أشهر دون وقف تنفيذ، في حين صدرت بحق آخرين أحكام بالسجن مع وقف التنفيذ لمدد وصلت إلى 8 أشهر، كما فرضت المحكمة غرامات مالية، وألزمت بعض المدانين بحضور دورات توعية حول مخاطر التنمر الإلكتروني، إضافة إلى منع 5 منهم من استخدام منصات التواصل الاجتماعي التي نشروا عبرها الإساءات.

رفض مبررات المتهمين

حاول بعض المدانين تبرير أفعالهم بأنها مجرد سخرية أو تهكم، إلا أن المحكمة رفضت هذه الحجج بشكل قاطع، مؤكدة أن حرية التعبير لا يمكن أن تكون غطاء للإساءة أو نشر الأكاذيب التي تمس الحياة الخاصة والكرامة الإنسانية، وبعد صدور الحكم، أعلن أحد المتهمين الذي حُكم عليه بالسجن 6 أشهر مع وقف التنفيذ نيته الطعن في القرار، في خطوة تعكس استمرار الجدل القانوني حول حدود التعبير في الفضاء الرقمي.

يتزامن هذا الحكم القضائي مع متابعة أسرة ماكرون دعوى تشهير منفصلة في الولايات المتحدة ضد المؤثرة اليمينية ومقدمة برامج البودكاست كانديس أوينز التي روجت بدورها مزاعم مشابهة بشأن بريجيت ماكرون، ويُنظر إلى الحكم الصادر في باريس بوصفه انتصاراً معنوياً وقانونياً يعزز موقف الأسرة في هذه المعركة العابرة للحدود، ويبعث رسالة واضحة بأن حملات التشهير المنظمة لن تمر دون مساءلة.

في لقاء تلفزيوني مع قناة تي إف 1 مساء أمس، تحدثت بريجيت ماكرون بصراحة عن تجربتها مع التنمر الإلكتروني، واصفة إياها بالمعركة اليومية التي لا تتوقف، وأشارت إلى أن الهجمات لم تقتصر على التعليقات المسيئة، بل وصلت إلى اختراق موقعها الإلكتروني الخاص بالضرائب وتغيير هويتها، في اعتداء مباشر على خصوصيتها وأمنها الشخصي.

وأكدت سيدة فرنسا الأولى أن ما تتعرض له يدفعها إلى الاستمرار في المواجهة، ليس فقط دفاعاً عن نفسها، بل من أجل أن تكون مثالاً يحتذى به، خاصة للأطفال والشباب الذين يواجهون التنمر دون امتلاك الأدوات أو الدعم الكافي، وشددت على أن الأدلة الرسمية على هويتها واضحة ولا تقبل التشكيك، معتبرة أن شهادة الميلاد وثيقة أساسية لا يمكن العبث بها أو إنكارها.

التنمر الإلكتروني قضية مجتمعية

تعكس قضية بريجيت ماكرون اتساع ظاهرة التنمر الإلكتروني وتحولها إلى أداة خطيرة لتدمير السمعة والإيذاء النفسي، حتى في المجتمعات التي تمتلك أطراً قانونية متقدمة، وتشير تقارير فرنسية إلى ارتفاع ملحوظ في قضايا المضايقة الرقمية خلال السنوات الأخيرة، ما دفع السلطات إلى تشديد القوانين وتكثيف حملات التوعية، خصوصاً مع تأثير هذه الظاهرة في الصحة النفسية للضحايا، والتي قد تصل في بعض الحالات إلى الاكتئاب الحاد أو الانتحار.

شهدت فرنسا خلال العقد الأخير تطوراً ملحوظاً في التشريعات الخاصة بمكافحة الكراهية والتنمر على الإنترنت، حيث تم تحديث القوانين لتشمل منصات التواصل الاجتماعي، وفرض التزامات كبرى على الشركات الرقمية للتعاون مع القضاء، وتأتي هذه القضية في سياق أوسع من الجدل العالمي حول حرية التعبير وحدودها، خاصة مع تصاعد خطاب الكراهية والمعلومات المضللة.

وتؤكد منظمات حقوقية أن محاسبة المتورطين في حملات التشهير الرقمية تمثل خطوة أساسية لحماية الأفراد، وتعزيز ثقافة الاحترام والمسؤولية في الفضاء الرقمي، وضمان ألا تتحول التكنولوجيا إلى أداة للإيذاء بدل أن تكون وسيلة للتواصل والمعرفة.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية